خطبة الجمعة ليوم 20 ذي القعدة 1447هـ الموافق لـ 8 ماي 2026م في المغرب

« من مقاصد الحج الإخلاص والتفويض »

الخطبة الأولى

الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، نحمده تعالى ونشكره، ونتوب إليه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، إمام المخلصين، وسيد الصادقين، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما تامين بتمام ملك الله، وعلى آله الطيبين الأبرار، وصحابته الأخيار، ومن تبعهم واقتفى أثرهم في الإخلاص والتفويض للواحد القهار.

أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فإن من مقاصد الحج الكبرى؛ التربية على الإخلاص والتفويض لله تعالى في الأمر كله، يقول الله تعالى:

﴿وَمَنْ يُّعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ اَ۬للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى اَ۬لْقُلُوبِ

فالآية الكريمة دالة على أن الغاية من أداء شعائر الحج ومناسكه هو اكتساب تقوى الله، ولا يكون ذلك إلا بإخلاص القصد لله عز وجل، في الاستجابة له فيما شَرع، وتفويض الأمر إليه سبحانه وتعالى.

فتخصيص بيت الله الحرام بالاستقبال في الصلاة والطواف، وتخصيص عرفة بالحضور مرة في السنة في جزء بين الليل والنهار، والنزول بالمزدلفة ليلة يوم العيد، ورمي الجمرات، ولزوم المبيت بمنى، كل ذلك يدعو المؤمن إلى التفويض لله تعالى، والتسليم له في شرائعه، والتعظيم والتوقير لشعائره.

وهذا ما يربى النفس على التحلي بمكارم الأخلاق والصبر والتحمل لما يصاحب رحلة الحج من المصاعب والمشاق، فيتأهل الحاج ليكون من الفائزين، ويعود بريئا من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما قال النبي صلى الله وسلم عليه :

«مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»

وقال صلى الله وسلم عليه :

«اَلْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ»

وبرور الحج عباد الله تخليته من سيئ الأخلاق وتحليته بمكارمها، امتثالا لقول الحق جل وعلى:

﴿اِ۬لْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَٰتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ اَ۬لْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِے اِ۬لْحَجِّ

فإذا تحقق للحاج هذا المقام شهد منافع لا تحصى، كما قال الله تعالى:

﴿وَأَذِّن فِے اِ۬لنَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاٗ وَعَلَيٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اَ۬للَّهِ فِےِ أَيَّامٍ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ اِ۬لَانْعَٰمِ

وهي منافع إيمانية وأخلاقية واجتماعية ومادية، تتكامل لبناء الإنسان الصالح المصلح، وأعظم هذه المنافع إقامة ذكر الله تعالى، والإخلاص له في عبادته، والتفويض له في مناسكه، حتى يعود الحاج بقلب سليم، ونفس مطمئنة وسلوك مستقيم.

فإذا نال العبد المؤمن هذه الفوائد التعبدية، وترك هواه لما يحب الله ويرضاه، هان عليه أن يفوض لله تعالى في أمره ونهيه، ويمتثل لربه طاعة ومحبة، ويكون دائم الشكر والحمد.

تلكم، عباد الله؛ بعض الغايات والمقاصد التعبدية التي يستفيدها الحاج من رحلة الحج الروحية الربانية، التي تعوده بمكارم الأخلاق، وتبعده عن مساويها، من رفث وفسوق وجدال، متعاملا مع الخلق على أساس الاحترام في الأنفس والأعراض والأموال. كما بين الرسول صلى الله وسلم عليه في خطبة الوداع.

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على من رفع الله شأنه من خلال وحيه وقرآنه، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسائر أتباعه في إخلاصه وتفويضه وإحسانه.

عباد الله؛ إن الغايات التي يتوخاها الحجاج في حجهم، والصائمون في صيامهم، والمصلون في صلواتهم، وسائر العباد في عبادتهم، هي غاية واحدة، وهي؛ تحقيق مقام الإحسان الذي بينه النبي صلى الله وسلم عليه بقوله

«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَّمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»

، وهذا المقام لا ينال إلا بدوام ذكر الله تعالى وصدق الإخلاص له في القول والعمل، مع الإحسان إلى الخلق في المعاملة وحسن الجوار.

وقد قال النبي صلى الله وسلم عليه :

«اِتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»

فقوله صلى الله وسلم عليه :

«اِتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ».

اختصار لثمار العبادات المرجوة من أركان الإسلام، وغيرها من سائر الأوامر والنواهي، وخلاصة الأمر تقوى الله تعالى، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي في الظاهر والباطن.

فبالتقوى يحفظ المسلم نفسه من الهلاك، كما قال الحق سبحانه:

﴿وَإِن مِّنكُمُۥٓ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّے اِ۬لذِينَ اَ۪تَّقَواْ وَّنَذَرُ ا۬لظَّٰلِمِينَ فِيهَا جُثِيّاً

وبالتقوى يستر عوراته المعنوية:

﴿وَلِبَاسَ اَ۬لتَّقْو۪ىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ

وبها يحسن إلى الخلق بالمعاشرة الحسنة، وحسن الجوار، والبعد عن الرفث والفسوق والجدال، فيعيش حياة طيبة في الدنيا، ويكون من الفائزين في الآخرة.

ويحصل له وهو في بيته ما يحصل للحجاج والعُمَّار من مغفرة الذنوب وستر العيوب، والوقوف خاشعا قانتا بين يدي علام الغيوب.

وهذا؛ معاشر المؤمنين، متاح لكل مسلم ومسلمة في كل زمان ومكان، فثمار العبادات هي حسن العمل والذكر والشكر للحق، وحسن الخلق والمعاملة مع الخلق.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والتسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم. فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، من وليته أمر عبادك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به أولياءك، وتدحر به أعداءك، اللهم بارك له في الصحة والعافية، وأسبغ عليه أردية ألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي الموهوب، الأمير الجليل مولانا الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولانا رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.

وارحم اللهم بواسع رحمتك، وجميل عفوك ورضوانك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين، مع المنعم عليهم من أهل طاعتك.

اللهم زودنا التقوى والإخلاص، وامنحنا من فيض فضلك القبول في القول والعمل، واجعلنا من عبادك المتوكلين عليك، المفوضين الأمر إليك، يا من بيده الخير كله، فلك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يرجع الأمر كله، فأنت أهل لأن تحمد، وأنت أهل لأن تعبد، فأنت أحق بالحمد والثناء وأنت أهله.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولموتانا وموتى المسلمين، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف  رحيم.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.